قدم هذا الكتاب تاريخ النظرية السياسية بالتوازى مع تاريخ الصراع السياسى، وكيف كانت تتكون النظرية السياسية كردود أفعال على تداعيات العلاقة بين أطراف الثالوث السياسى المكون من حكومة سنية وتيارين معارضين الشيعة والخوارج. ويطرح اشكالات التعامل مع الواقع، داخل العقل السياسى الاسلامى المعاصر بين مكوناته السلفية العاجزة عن ايجاد حلول للاشكالات المعاصرة وعن الاستجابة لثقافة العصر، وبين الدعوات الحداثية التى قد تسهم فى تضخيم الاحساس بالمأزق دون ان تساهم فى اخراجه منه
مفكر متميز استطاع كسر أغلال السلفية التي كبلته لعقود من الزمن. قاضٍ مصري سابق من مواليد 1954، تخرج من كلية الحقوق في جامعة القاهرة سنة 1976، وتدرج في سلك النيابة العامة والقضاء منذ تخرجه. له مؤلفات في الفكر السياسي والفقه الدستوري، آخرها: تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر.
الملفت أن الفكر الإسلامي بدءاً من حقبة التأسيس وحتى العصور الحديثة لم تكن له مشكلة نظرية جادة مع الخارج غير الإسلامي ولا مع الحداثة رغم تأثير الفلسفة الهامشي عليه ورغم سطوة المنهج السلفي، إلا أن العقل الإسلامي المعاصر يواجه مشكلة قبول حضاري مع عصره ويعاني من عقدة نقص حيال النموذج الغربي...
يقال أن فكرة توظيف الدين كوسيلة سياسية بدأ في عهد الدولة الساسانية مع الملك إدشير، ثم تسلل ذلك إلى الفقهاء وعلى رأسهم الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية، وجعل الغزالي السلطان ظل الله في الأرض وقال أن الطرطوشي أنه لولا السلطان لما كان لله في الأرض من حاجة فهو دليل على وجود الله، كما لا تستقيم الأرض إلا بسلطان لا يستقيم العالم إلا بالله، ولعل الفترة الوحيدة التي كان الدين فيه غاية لذاتها والدولة وسيلة له هو فترة حكم الأنبياء أو أشباههم... واستشهدوا بأحاديث مختلفة كالرواية التي رواها الحاكم في المستدرك (إذا أراد الله أن يخلق خلقاً للخلافة مسح على ناصيته بيمينه)... كان ابن حزم يرفض قبول ضرب الحاكم لظهر العامي بدون وجه حق ويعتبره عدواناً لا ينبغي السكوت عليه فكان مخالفاً للنظرة السلفية العامة المطالبة بالصبر على الضرب سواء كان بحق أو بظلم...
يرى المؤلف أن التاريخ السياسي للمسلمين هو سلسلة متصلة من حلقات الاستبداد، أما في دولة الخلفاء الراشدين فيمكن الحديث عن تسلط قانون شرعي محكوم بقيم النص سمح بظهور معارضة سلمية لم تواجه بعنف من قبل الدولة، فتم فيها امتصاص معارضة الأنصار في السقيفة وأمكن احتراء معارضة الهواشم لحكومة أبي بكر وعمر، أما فترة حكم عثمان فكانت حقبة المعارضة بالمعنى الدقيق في تاريخ الدولة...
قياساً إلى النظرتين السنية والشيعية في السياسة، تبدو النظرية الإباظية أكثر واقعية، فالشيعة يجافون الواقع حين يبسطون سلطة إمامهم على خريطة العالم بامتداد الزمان رغم أنه لم يمتلك سلطة قط، فالإباظية هي الوحيدة التي تمثل امتداداً خالصاً لنموذج الشورى القائم على فكرة أهل الحل والعقد في صورته الخام المستعارة من نطام القبيلة العربية، بينما تعرضت هذه الفكرة إلى تحويرات فقهية عند السنة تحت ضغوط التغلب الأموي والمؤثرات الفارسية التي جلبها العباسيون، ولم تتكرس التجربة الإباظيك بالعمق والامتداد الكافيين بسبب تقطعها وانعزالها وقلة عددها بالإضافة إلى جمودها مع التاريخ وغياب البراغماتية السنية عنها.
تكملة هامة وقيمة للجزء الأول عن السلطة في الإسلام يناقش فيها عبد الجواد ياسين الثالوت الإسلامي السني- الشيعي(الإمامي/الزيدي/لمحات عن الاسماعيلي)- الإباضي .. تحليلات أتفق مع أغلبها وملاحظات صغيرة لا تفسد تماسك الطرح أبدا.. دراسة هامة جدا بجزئيها..
“هاتا� مقولاتان مختلفتان؛ الأولى: أن تكون الدعوة إلى الدين سبب تحريك عوامل نشأة الدولة، والثانية: أن يكون الدين قد أمر وجوبا بإنشاء سلطة خاصة به لفرض تعاليمه على الناس. لا وجود لهذه الأمر لأنه لا حاجة إليه، فالدولة كيان طبيعي بنشأ تلقائيا متى تضافرت عوامله في الواقع الاجتماعي، ثم إن موضوع الدين هو ثوابت المطلق بينما موضوع الدولة هو المتغيرات النسبية للاجتماع. سيكون الروح الإيماني والأخلاقي للدين هناك ليظلل على الاجتماع المتغير ولكنه لن يوقف حركة التغير.�
“كا� التصور الشيعي وهو ينصص موقفه من موقع المعارضة يُديّن السياسة، بينما اكتفى رد الفعل السني، وهو يقبض على السلطة، بتسييس الدين. وهو التفاوت الذي سيلقي بظله على حجم المشكل الذي تواجهه كل من النظريتين على حدة مع حركة التطور وضرورات الحداثة.�
“ل� يكن (المحكوم) إذن طرفا في معادلة الحكم في النظريات الثلاثة - السنية والشيعية والإباضية-، وبالنسبة للنظريتين الرئيستين كان ثمة محور واحد تدور حوله كل منهما هو (الحاكم). إما الحاكم السني (الظالم) الذي في السلطة، أو الحاكم الشيعي (المظلوم) الذي في المعارضة. حق الأول الطاعة وإلا السيف، وحق الثاني أيضا الطاعة وإلا النار. أما المحكوم المهمل في الخلفية فإن التصور الذي يستدعيه تعامل النظريتين معه لا يوحي بمعنى الحرية ولا المشاركة، ولا يرشح لتثبيتهما ضمن المعطيات الاجتماعية أو السياسية بل على النقيض من ذلك يرشح لتكريس معنى الخضوع ومسلكية الصمت.�
“وكذل� تبدو المسألة في التصور السلفي كما لو أن ثمة خيارين اثنين: إما قبول الظلم وإما الخروج للقتال، حيث يصير ضرر الظلم أخف من ضرر الدماء، لم يرد في الخيال النظري بديل ثالص يتعلق بتنظيم الاختلاف مع السلطة الحاكمة أو معارضتها دون قتال، وذلك لسبب واضح وهو أن فكرة الاختلاف السلمي مع السلطة الحاكمة لم تكن حاضرة في الواقع السياسي، حيث كان الحاكم ينظر إلى كل خلاف بوصفه خروجا ينطوي على تهديد إن لم يكن حالا فهو محتمل لكرسي الحكم، الأمر الذي كرسه المسار الدموي الذي اتخذته الأحداث منذ الفتنة الكبرى حيث اختلطت المصالح السياسية بالدعاوى الدينية في وقت مبكر من حياة مجتمع كان بالكاد يلامس فكرة الاتصال بفكرة الدولة.�
ماذا تنتظر من كاتب يكتب في شيء شديد الحساسية بالنسبة لنا ف بلاد الشرق ؟ لأناس يخافون من دخول الحمام بالقدم اليمنى ؟ تنتظر من أي كاتب يكتب في أشياء مثل هذه، أن يكون عادلا وموضوعيا وعلى قناعه بما يكتبه و ما يريد أن يوصله لك. عبد الجواد ياسين هو ذلك الشخص تماما. في الجزء الثاني من كتاب "السلطة في الاسلام" والذي يبحث فيه عبد الجواد ياسين عن تاريخ الفرق الثلاث( السنة والشيعة والإباضية) وتأثير كل منها عبر التاريخ الاسلامى في الفقه والشريعة ومنظومة الاحاديث و رؤية كل منهم للسلطة و الحاكم و الامامه، يتكلم عبد الجواد ياسين بطريقة شديدة الموضوعيه والبساطه، كطبيب يعرف أين تكمن المشكله وكيف نتكلم فيها بطريقة تخلو من أي تعقيد و(حساسيات مبالغ فيها ) الأحداث لم تخلق هكذا وكذلك النصوص التي بين أيدينا الآن (الأحاديث والفقه والفتاوى)، كلها مرتبطه بالحاضر التي نشأت فيه والبيئه الاجتماعيه المحيطه بها والأحداث التى كانت سببا في نشأة فرق و مذاهب وتيارات وتنصيص خاضع للهوى ولعبة السياسة ..
الجزء الثاني من دراسة المستشار عبد الجواد ياسين عن "السلطة في الإسلام"، وفي هذا الجزء يبرز المستشار الطابع التاريخي (بالمعنى المزدوج) للنظريات السياسية الإسلامية (السنية والشيعية والإباضية) وكيف أن كل نظرية (ويدخل معها شق كبير من بنية الفرق "الفقهية" المتبنية لها) كانت تنشأ تبعًا لظروف الاجتماع السياسي والاقتصادي والتاريخي، ومن ثم فهي غير موائمة للتطبيق في العصر الحديث ولروح الحداثة السياسية.
سلوب عبد الجواد ياسين يمتاز ببصمته الاجتماعية التاريخية التي تعيد عامل 'الزمن" إلى النقاش الفكري (وهو العامل الغائب لدى الفكر الإسلامي المعاصر بكل أطيافه تقريبًا)؛ ولا ينفك هذا العامل عند ياسين من النقد الهادئ والمنصف فتخرج فصول الكتاب مناقشات مطولة هادئة لا تخلو من الشد والجذب ويتملكها الرغبة في رفع "سلطة التاريخ" الذي يرزح تحتها الفكر الآسلامي والسلفي بل والعلماني أيضًا"
الكتاب بجزئيه هو تناول المستشار لفكرة السلطة في الإسلام، أو الدولة أو الحكم في الإسلام، وهي مسألة مركزية -إن لم تكن المسألة المركزية الأولى- في الخطاب الإسلامي -بالأخص السياسي- الذي يرفع شعارات الحاكمية، وأخذًا في الاعتبار مرحلة المستشار السابقة (الأصولية)، فهذا الكتاب بجزأيه تناول قضية مركزية وأساسية لدى الإسلام السياسي بالنقد والتحليل وتطرق منها إلى إشكالية الوعي الإسلامي الحالي مع روح وفكر الحداثة (العلمية والسياسية والفكرية والاقتصادية). فإن كان الجزء الأول من الكتاب خلص إلى أنه لا توجد في الإسلام أحكام ملزمة فيما يتعين بشكل السلطة، فهذا الكتاب الثاني يناقش النظريات الإسلامية التي تمخض عنها الصراع السياسي الفقهي الفكري في عصور الإسلام الأولى والتي أسبغ عليها التدين صفة الأبدية والإطلاقية باعتبارها جزءًا من الدين (الأئمة من قريش حتى قيام الساعة، الإمام القائم المنتظر غائب وسيعود، إلخ.) وهي تلك النظريات ذاتها التي استند عليها الإسلام السياسي أو حتى السلفي في مشاريعه السياسية والاجتماعية (من الآخر عملية إسقاط تاريخي فاشلة كما رأينا جميعًا).
في هذا الكتاب يبث ياسين في عدة مواضع نظريته الاجتماعية التاريخية والتي تبلورت بشكلٍ أوضح وأكثر تماسكًا عن الجزء الأول -والتي يمكن من خلالها تتبع تطور فكر المستشار حتى الوصول إلى مرحلة "الدين والتدين"-، نظرية المستشار لا ترد نشأة الافكارو الجماعات والفرق إلى سبب واحد كما يفعل العقل الديني -بأطيافه- والعقل الوضعي -بمدارسه-، بل إن تداخلات السياسة والاقتصاد والدين والتاريخ تعمل وتتداخل مع الذوات الفردية للأشخاص التي تسبغ على الأفكار والنصوص والأحداث ذاتها وفكرها. فتجد في هوامش الكتاب وثناياه -مثلًا- نقدًا للعقل السلفي في تبسيطه لأسباب ودوافع الفتنة الكبرى واختزالها ونقدًا للماركسية التي ترد كل الظواهر البشرية إلى العامل الاقتصادي فقط.
من النقاط الجديرة بالذكر هي تفرقة المستشار بين إشكالية العصر وإشكالية الغرب، فعبد الجواد ياسين لا ينكر واقع التسلط الاستعماري الغربي بالطبع، لكنه لا يرفض مبادئ وقيم الحداثة لأنه يرفض النموذج الغربي (كما أنه في الجزء الأول انتقد العلمانيين لرفضهم مضمون الحكم\الخلافة لرفضهم للنموذج والشكل التاريخيين له، وإن كان هذا الموقف قد تطور في هذا الكتاب وما يليه).
هذا الكتاب -في نظري- واجب للقراءة لكل أبناء التيار الإسلامي المنادين بـ"عودة الخلافة" و"الحكم الإسلامي" و"تطبيق الشريعة" -إن افترضنا رغبتهم في مناقشة أفكارهم ابتداءً-. فالإسلاميون منذ نشوء أولى جماعات الإسلام السياسي -الإخوان المسلمين- وإلى الآن وهم يدورون في حلقة مفرغة، من العمل السلمي للفشل في الإدارة للحروب المسلحة والقمع الدموي، والسبب كما لم يعد يخفى على أحد هو أنهم لا يوجد لديهم أي تصور واضح للسلطة والدولة. فإما يؤسلمون ما لا يؤسلم أصلًأ وإما يرفضون كل مبادئ الحداثة الإنسانية والسياسية والارتداد إلى القرون الوسطى. وقس على ذلك ما ينادون به على الدوام "تطبيق وسيادة الشريعة"، ومبدأ الحاكمية لله، وهي تختزل الإسلام في قوانين وتشريعات ونماذج تاريخية ناجحة لا يربط بينها رابط سوى كون أصحابها مسلمين، ويقدم ذلك على أنه "الحل الإسلامي".
وفي هذا السياق وختامًا.. من أسس العقل الإسلامي السلفي هي أن التشريعات والقوانين أُنزلت مطلقة في الزمان والمكان وأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان. إلا أن تاريخ الصراع حول السلطة وحول آلية تداولها وآلية الحكم في صدر الإسلام تعد من أكثر فصول التاريخ دموية، مما يطرح سؤالًا جوهريًا: ما دامت الشريعة جاءت صالحة لكل زمان ومكان ولصلاح الدنيا إلى آخر الزمان بأحكامها التي جاءت في القرن السابع الميلادي، لماذا لم تحل الشريعة مسألة السلطة وتداول الحكم؟ لماذا لم تقدم وسيلة مرضية لتداول السلطة عبر الأزمنة والجغرافيا والتاريخ صالحة لكل الشعوب والمجتمعات في كل أطوارها؟ يرد عموم الإسلاميين -أو من يشعر منهم ببعض التناقض مع قيم الحداثة السياسية على الأقل- أن الإسلام ترك مسألة السلطة لكل جماعة من الناس لتدبرها حسب ما هو صالح لزمانها وظروفها. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا استثنت قضية السلطة -وهي تكاد تكون أهم قضية اجتماعية تحكم البشر- من إطلاقية الشريعة؟ هل أحكام السرقة والرق والحرابة (فالإسلاميون لا يزالون يصورون الشريعة كنظام عقوبات في الغالب) كانت أهم لصلاح البشرية من قضية السلطة مما اقتضى تنزيلها وإطلاقها في التاريخ؟
أعتقد أن سؤالًا كهذا هو ما مهد الطريق بعد هذا الكتاب لنظرية الدين والتدين.
هذا الكتاب هو الجزء الثاني لكتاب السلطة في الاسلام 1 الذي ناقش أثر التاريخ السياسي على النص الديني، في الجزء الثاني يناقش الكتاب الفروق بين النظريات السياسية في شتى المذاهب الاسلامية، من سنة و شيعة و خوارج ، كيف تم تأسيس هذه النظريات، و ما مدى عقلانيتها ، هل سبقت نشأة الدولة النظرية السياسية ، أم العكس ؟
تكمن أهمية الكتاب في أنه دراسة شاملة و تفصيلية ، يطرح أسئلة ذكية دون أن يفرض رأياً أو حكماً مسبقاً، فالحكم الوحيد للعقل، و المحكوم هو التاريخ.
الكتاب زخم و مصطلحاته ليست سهلة، و قد لزم مني وقتاً طويلاً لانهاءه ، و أحياناً اعادة كثير من فصوله.