ŷ

عبدالواحد الأنصاري's Reviews > الملك ينحني ليقتل

الملك ينحني ليقتل by Herta Müller
Rate this book
Clear rating

by
29791814
's review

really liked it

تنتمي هيرتا مولر إلى عائلة الكتاب الذين لا يرون بأساً في أن تندمج شخصيتهم الخاصة وأعمالهم المقالية وآراؤهم المباشرة في أعمالهم الأدبية، وكأن النص الأدبي يقدم نفسه ظلاً مباشراً لمحاضرة طويلة مكونة من فصول، يلقيها الكاتب عن رؤيته إلى حياته وإلى الحياة بعامة.

الذي أشير إليه أنّ مولر عاشت مغتربة داخل بلدها رومانيا في ظل الحاكم الدكتاتور تشاوشيسكو، وبما أنها كانت تنتمي إلى أصول ألمانية في رومانيا فقد عانت أشد المعاناة من هذه الأصول، كمعاناة البدون أو الجاليات التي قضت عقوداً طويلة في بعض البلدان العربية من دون ضوء يلوح في آخر النفق.

والذي أقصده هنا: أن هيرتا مولر نالت ما نالته من التقدير وكانت محظوظة جداً، بسبب أن نوبل تتعاطف مع الأدباء الذين عانوا من النازية أو من الشيوعية واضطهدتاهم، ولكنها في الوقت نفسه ظلّت محافظة على حسها النقدي والإصلاحي لواقعها الأوروبي على ما هو عليه الآن، ولم تؤمن به إيماناً تسليمياً مطلقاً، والأجمل أنها تنطلق من رؤية إنسانية ذات نزعة ثورية أدبيّة لا سياسية ولا اقتصادية، لا تهدف إلى قلب الأنظمة ولا إثارة القلاقل فيها، ومع ذلك فهي بسلاح وحيد - هو قلمها وروحها الأدبية الثائرة - تحتفظ بالثقل والتأثير نفسه اللذين يمكن لأي كاتب سياسي أن يتحلى بهما.

السلاح الآخر، الذي كانت مولر تجابه به محققي تشاوشيسكو وسجانيه كان سلاحاً شخصياً وفعّالا جداً في مواجهة الشمولية الشيوعية وقسوتها، بحسب ما ترويه لنا، وهو: الصمت والكتمان والاحتقار، وهي تصرّح بذلك في مواضع شتى من هذا العمل، تماماً كما كان كونديرا يكشف بوضوح مقاومته للشيوعية ومحاربته لها بالسخرية والازدراء كذلك.

في الشق الآخر: شق الروماني الذي جرّب أن يكون ألمانياً في رومانيا، وهو معرّض لأن يُعامل على أنه روماني في ألمانيا، هذا الروماني/ الألماني، تجاوزت نظرته الإنسانية، ورؤيته الفكرية نفسه وفئة الأقلية التي ينتمي إليها، ونجده يتوسع ليعطف على القوميات المغتربة أيضاً في ألمانيا ويقف معها بالصورة نفسها التي يريد أن يقف بها معه غيره، تقول مولر - واسمحوا لي بنقل المقطع كاملاً - وهي تتحدث في سياق تعرّضها للاضطهاد اللغويّ في ألمانياً:

بداية المقطع:

حتى السيد رتجرز صار له قصيدة مقفاة. أما محتوى تلك القصيدة فكان يقول: هاتوا أطفالا بدلا من الهنود، أي علينا نحن الألمان أن نكثر من إنجاب الأطفال بدلا من استيراد عمالة أجنبية، إنها قصيدة مقفاة موجهة إلى السيد شرورد؛ لأنه أراد بالسرعة الكليّة إدخال هنود إلى ألمانيا ثم يخرجهم بعد ثلاث أو خمس سنوات منها، فالإنسان يستأجر أيضا سيارة، يدفع أجرة استخدامه لها ويعيدها بعد ذلك لصاحبها، بعد شرائه لسيارته الجديدة الخاصة به. من وجهة النظر الألمانية يجب على كل هندي استخدم في ألمانيا أن يشعر بالفخر والاعتزاز لأن ألمانيا شرّفته حين احتاجته! فإقامة ذلك الهندي في إلمانيا رفعته إلى طبقة الأشراف، فهو سيعود بعد ثلاث سنوات منالتشريف إلى بلده الأصلي، بعد أن يكون قد متّع عينيه وعايش في ألمانيا الكثير من الأشياء: الاعتراف به في مكتب العمل، التوضيحات التي تلقاها في المحالت التجارية، حين يلفظ "عندنا في ألمانيا" بشكل صحيح حرفي الياء في كلمة "برييتسل". وربما أيضا بعد أن يكتسب خبرة ارتفاع دقات القلب في ساعات الليل المتأخرة تحت جسور المدن وفي أنفاقها وترامواياتها، وبين الفينة ولاأخرى، أثناء ساعات النهار في محطات التزود بالوقود، في الجبال وعلى البحيرات وفي كل مكان يمكن أن يصبح فيه ذلك الهندي المهدور دمه طريدة للرؤوس الألمانية الحليقة.

وهكذا يقول السيد رتجرز قصيدة مقفاة ضد السيد شرودر، وهي نداء جذاب للعمال الضيوف، على الرغم من أن السيد شرودر ينطق بدقة متى يجب أن تنتهي إقامة أولئك الضيوف وتطوى أسرّتهم.

ولكن السيد رتجرز يعترف أن لدينا في ألمانيا مثالا تأديبيا يحذر العمال الأجانب من التسيب أو الانفلات، فعليهم، وهم يعرفون ذلك أن يكونوا في متناول اليد، حتى خارج أوقات الدوام الرسمي، حين نحتاجهم، نحن نناديهم للعمل، وخلال ذلك، وبين الفينة والأخرى يستطيعون العيش أيضاً! ضيوفنا هؤلاء سينشغلون بعد قدومهم إلينا بشؤون حياة دائمة عندنا في ألمانيا، سينشئون بيوتاً وعائلات وسينجبون أطفالاً، وهؤلاء سيكنونون هنودا من جديد، وإذا لم يصبحوا هنودا كاملين فسيكونون أنصاف هنود على أقل تقدير. وهكذا تستمر القضية لمدة تطول أكثر من حياة واحدة أو جيل واحد، حياة ستحتاج في استمراريتها إلى عدة أجيال، أي حتى يستطيع أولئك الهنود في أصولهم لفظ حرفي الياء في "برييتسل" بشكل صحيح، يطيلون لفظ الأولى ويبلعون الثانية من غير إحداث ضجيج.

لقد ترك الأتراك لنا فيهم مثالاً، فألمانيا رغم صلوات الاندماج الدائمة في سياستها، ليست مستعدة حتى الآن للاعتراف بهم بصفتهم اقلية تركية تعيش في ألمانيا. يسمى الأتراك في ألمانيا ومنذ الأزل أجانب. وفي الألمانية العطوفة، تلك التي تعض على اللسان من شدة تهذيبها، يسمى الأتراك في ألمانيا: "مواطنون بالتشارك". ويوحي التعبير في مضمونه بإرادة جرى تدجينها للتلاءم مع الانتماء المكاني. أنا أعرف منذ وقت طويل ممّ يتكون تعبير "مواطنون بالتشارك" تشريحيا. كانت الدولة الرمانية تسمي الأقليات الهنجارية والألمانية والصربية التي تعيش فيها منذ مئات الأعوام، بل تعيش تلك الأقليات في بعض المناطق قبل الرومانيين أنفسهم بزمن طويل، كانت تسميها: "أقليات قومية مشاركة لنا في السكنى".

ومثل الجميع، ما عدا الرومانيين، كنت أنا وبقية من المنتمين إلى الأقلية الألمانية، رغما عن الثلاثمائة سنة التي مضت على سكن عائلتي هناك ضيفاً وُلد على الأرض الرومانية، في وطن الرومانيين الأم. ولقد كان تذكير المخابرات لي في التحقيق بأنني آكل خبزاً رومانيا مسخرة ما بعدها مسخرة (...) كي أصبح بوصفي "مشاركة في السكنى" كرة يتسلى باللعب بها كرم الضيافة الرومانية. أن أبقى ضيفة بعد ثلاثمائة عام من العيش هناك، ذلك إنجاز ضخم يجب الاعتراف به للرومانيين. ومن الممكن أن تبلغ ألمانيا أيضا هذا الإنجاز العظيم المنوّه به مع الأتراك من دون أن تحتاج للاستعانة بجلادين اشتراكيين.

قياساً على المثال الذي سقته حول الأتراك في ألمانيا، يمكن للمرء أن يقول فيما يخص الهنود: إن الأفضل لألمانيا هم الهنود الافتراضيون، وهي كلمة عصرية مناسبة لأيامنا التي نعيش. فربما تستطيع شركة صناعة ألعاب يابانية أن تنتج هنودا إلكترونيين وتصدرهم إلى ألمانيا في كرتونة كبيرة الحجم، وفي كتالوج تلك الألعاب سيكتب اليابانيون: ليسوا تحت التصرف خارج أوقات دوامهم الرسمي، ويجب إطعامهم بعد نهاية الدوام وحفظهم في أدراج مبردة. إنهم ينتظرون يوم العمل التالي بفارغ الصبر، لا يوجد لهم حياة عائلية قد تخيفهم.

انتهى المقطع.
6 likes · flag

Sign into ŷ to see if any of your friends have read الملك ينحني ليقتل.
Sign In »

Reading Progress

Finished Reading
August 23, 2017 – Shelved

No comments have been added yet.