BookHunter M ُH َM َD's Reviews > العطر: قصة قاتل
العطر: قصة قاتل
by
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ
اليوم يقرأون كتبا لا تثير إلا الاضطرابات. يكتبها البروتستانت و الانجليز. يكتبون نبذا أو ما يطلق عليها اسم الأبحاث العلمية العظيمة. يضعون فيها كل شيء و كل شخص موضع الشك. لم يعد أي شيء صحيحا و صار على كل شيء أن يتغير فجأة. فجأة يسبح في كأس الماء آلاف الحيوانات الدقيقة التي لم نكن نراها من قبل. فجأة صار الزهري مرضا عاديا جدا و ليس عقابا إلاهيا. فجأة تبين أن الله لم يخلق العالم في سبعة أيام و لكن في ملايين الأعوام. هذا ان كان هو خالقه! فجأة صار المتوحشون بشرا مثلنا. فجأة صرنا نربي أطفالنا تربية خاطئة و لم تعد الأرض دائرية كما كانت بل مسطحة في أعلاها و أسفلها مثل بطيخة. و كأن الحياة تتوقف على مثل هذه الأشياء! يتساءلون و يبحثون و ينقبون في كل المجالات. يدسون أنوفهم في أي شيء و يجربون كل شيء. لم يعد يكفي القول أن هذا موجود و تلك كيفيته. لا! الأن يجب تقديم البراهين. يفضل طبعا تقديم شهود عيان و إحصاءات و تجارب تدعو للسخرية. كل هؤلاء .. ديدرو .. دالامبرت .. فولتير و روسو و أمثالهم من الوراقين. بل و بينهم سادة من الكنيسة و النبلاء. تمكنوا فعلا من أن ينشروا قلقهم الغدار. باختصار .. الفوضى اللانهائية التي تنخر في رؤوسهم على جميع ساحات المجتمع.
انطلق في غرينوي تهليل آخر. تهليل أسود. إحساس شرير بالنصر. جعله يرتعش و ينتشي كمن ينتعظ. و جاهد لئلا يقذفه على الناس كالسم عصارة المرارة. و لئلا يصرخ مهللا في وجوههم: انظروا .. أنا لا أخافكم. و لا أشعر إلا بقليل من الكره نحوكم. بل أحتقركم من أعمق أعماقي. لأنكم أغبياء لدرجة النتانة. لأنكم لا شيء و أنا كل شيء. و كأنه يهزأ بهم.
للقاتل ذوق ممتاز. كما أن له نهجا يسير عليه. لم ترتكب كل الجرائم بلإسلوب المتقن عينه فحسب. بل كشف اختياره لضحاياه عن نيات سرانية عميقة. و رغم أن ريشي لم يكتشف ما الذي يقدسه القاتل في ضحاياه. فهو لم يسلبهن أفضل ما فيهن. جمالهن و فورة شبابهن. أم أنه فعلها؟ على كل حال بدا له أن القاتل ليس هداما. مهما كانت الفكرة غريبة. إنما جامع تحف مهووس. و فكر ريشي. إذا تصور أحدهم الضحايا أجزاء من أس أسمى. و ليس مجرد أفراد. و صهر خصالهن الذكية في بوتقة الكمال الموحد. ستكون الصورة المركبة من قطع الموزاييك التي يجمعها. صورة الجمال المطلق. و لن يكون سحرها إنسانيا. بل سيكون إلاهيا.
جان بابتست غرينوي. المولود دون رائحة. في أنتن بقعة في العالم. المتحدر من القمامة وو الخراء و العفن. الناشيء دون حب. الحي دون روح إنسانية دافئة. المتشكل من العناد و طاقة القرف. الضئيل. القميء. الضالع. القبيح. المتحاشي. النذل في داخله و خارجه. بلغ لأن يحبه العالم أجمعين. من قال يحبه؟ بل يعشقه. يهواه. يؤلهه .. لقد خلق لنفسه هالة أشرق و أقوى أثرا مما لبشر من قبله. و لا يعود الفضل فيها على أحد. لا على أب. لا على أم. و لا على إله رحيم. إنما عليه هو. هو وحده. الحق أنه كان هو إله ذاته. إلها أروع من ذاك الذي ينتن برائحة البخور و يسكن الكنيسة. أمامه أسقف يرقص و يتوسل فرحا. أمامه أغنياء و سلاطين. سادة وسيدات فخورون يخشعون لمعجزته. و الشعب أجمع. بينه أباء و أمهات و إخوة ضحاياه يحتفلون على شرفه و بإسمه ماجنين معربدين. بإشارة منه سيكفرون بربهم و يعبدونه هو. غرينوي العظيم. نعم. إنه غرينوي العظيم. لقد حق الحق. إنه غرينوي العظيم كما كان في خيالاته آنذاك. إنه يحيا في هذه البرهة أعظم انتصارات حياته.
لكن قدرته ليست قادرة على شيء واحد. ليست قادرة على أن تجعله يشم نفسه. و ليرفعه عطره إلاها بين الناس. فما نفعه إن لم يشم ذاته و لم يعرف من هو. إنه يبصق على كل شيء. على العالم. على ذاته و على عطره.
by

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ
اليوم يقرأون كتبا لا تثير إلا الاضطرابات. يكتبها البروتستانت و الانجليز. يكتبون نبذا أو ما يطلق عليها اسم الأبحاث العلمية العظيمة. يضعون فيها كل شيء و كل شخص موضع الشك. لم يعد أي شيء صحيحا و صار على كل شيء أن يتغير فجأة. فجأة يسبح في كأس الماء آلاف الحيوانات الدقيقة التي لم نكن نراها من قبل. فجأة صار الزهري مرضا عاديا جدا و ليس عقابا إلاهيا. فجأة تبين أن الله لم يخلق العالم في سبعة أيام و لكن في ملايين الأعوام. هذا ان كان هو خالقه! فجأة صار المتوحشون بشرا مثلنا. فجأة صرنا نربي أطفالنا تربية خاطئة و لم تعد الأرض دائرية كما كانت بل مسطحة في أعلاها و أسفلها مثل بطيخة. و كأن الحياة تتوقف على مثل هذه الأشياء! يتساءلون و يبحثون و ينقبون في كل المجالات. يدسون أنوفهم في أي شيء و يجربون كل شيء. لم يعد يكفي القول أن هذا موجود و تلك كيفيته. لا! الأن يجب تقديم البراهين. يفضل طبعا تقديم شهود عيان و إحصاءات و تجارب تدعو للسخرية. كل هؤلاء .. ديدرو .. دالامبرت .. فولتير و روسو و أمثالهم من الوراقين. بل و بينهم سادة من الكنيسة و النبلاء. تمكنوا فعلا من أن ينشروا قلقهم الغدار. باختصار .. الفوضى اللانهائية التي تنخر في رؤوسهم على جميع ساحات المجتمع.
انطلق في غرينوي تهليل آخر. تهليل أسود. إحساس شرير بالنصر. جعله يرتعش و ينتشي كمن ينتعظ. و جاهد لئلا يقذفه على الناس كالسم عصارة المرارة. و لئلا يصرخ مهللا في وجوههم: انظروا .. أنا لا أخافكم. و لا أشعر إلا بقليل من الكره نحوكم. بل أحتقركم من أعمق أعماقي. لأنكم أغبياء لدرجة النتانة. لأنكم لا شيء و أنا كل شيء. و كأنه يهزأ بهم.
للقاتل ذوق ممتاز. كما أن له نهجا يسير عليه. لم ترتكب كل الجرائم بلإسلوب المتقن عينه فحسب. بل كشف اختياره لضحاياه عن نيات سرانية عميقة. و رغم أن ريشي لم يكتشف ما الذي يقدسه القاتل في ضحاياه. فهو لم يسلبهن أفضل ما فيهن. جمالهن و فورة شبابهن. أم أنه فعلها؟ على كل حال بدا له أن القاتل ليس هداما. مهما كانت الفكرة غريبة. إنما جامع تحف مهووس. و فكر ريشي. إذا تصور أحدهم الضحايا أجزاء من أس أسمى. و ليس مجرد أفراد. و صهر خصالهن الذكية في بوتقة الكمال الموحد. ستكون الصورة المركبة من قطع الموزاييك التي يجمعها. صورة الجمال المطلق. و لن يكون سحرها إنسانيا. بل سيكون إلاهيا.
جان بابتست غرينوي. المولود دون رائحة. في أنتن بقعة في العالم. المتحدر من القمامة وو الخراء و العفن. الناشيء دون حب. الحي دون روح إنسانية دافئة. المتشكل من العناد و طاقة القرف. الضئيل. القميء. الضالع. القبيح. المتحاشي. النذل في داخله و خارجه. بلغ لأن يحبه العالم أجمعين. من قال يحبه؟ بل يعشقه. يهواه. يؤلهه .. لقد خلق لنفسه هالة أشرق و أقوى أثرا مما لبشر من قبله. و لا يعود الفضل فيها على أحد. لا على أب. لا على أم. و لا على إله رحيم. إنما عليه هو. هو وحده. الحق أنه كان هو إله ذاته. إلها أروع من ذاك الذي ينتن برائحة البخور و يسكن الكنيسة. أمامه أسقف يرقص و يتوسل فرحا. أمامه أغنياء و سلاطين. سادة وسيدات فخورون يخشعون لمعجزته. و الشعب أجمع. بينه أباء و أمهات و إخوة ضحاياه يحتفلون على شرفه و بإسمه ماجنين معربدين. بإشارة منه سيكفرون بربهم و يعبدونه هو. غرينوي العظيم. نعم. إنه غرينوي العظيم. لقد حق الحق. إنه غرينوي العظيم كما كان في خيالاته آنذاك. إنه يحيا في هذه البرهة أعظم انتصارات حياته.
لكن قدرته ليست قادرة على شيء واحد. ليست قادرة على أن تجعله يشم نفسه. و ليرفعه عطره إلاها بين الناس. فما نفعه إن لم يشم ذاته و لم يعرف من هو. إنه يبصق على كل شيء. على العالم. على ذاته و على عطره.
Sign into ŷ to see if any of your friends have read
العطر.
Sign In »
Reading Progress
Comments Showing 1-23 of 23 (23 new)
date
newest »

message 1:
by
Rahma.Mrk
(new)
-
rated it 5 stars
Mar 26, 2019 02:35AM

reply
|
flag

فعلا الرواية حمستني ادور على الفيلم

فعلا الرواية حمستني ادور على الفيلم"
أنا سمعت الفيلم من كام سنة بعد ما خلصت الرواية... بس طبعا الرواية أحلى بكتير من الفيلم
بس كان الفيلم اللي لقيته بالفرنسي على ما أتذكر
مقدرتش ألاقيه بالانجليزي

فعلا الرواية حمستني ادور على الفيلم"
أنا سمعت الفيلم من كام سنة بعد ما خلصت الرواية... بس طبعا الروا..."
موجود مترجم

فعلا الرواية حمستني ادور على الفيلم"
أنا سمعت الفيلم من كام سنة بعد ما خلصت الرواية... ب..."
متشكرة جدًا جدًا
هاسمعه تاني النهارده بإذن الله

فعلا الرواية حمستني ادور على الفيلم"
أنا سمعت الفيلم من كام سنة ..."
تحت أمرك

يا اخي انت رهيب �"
انتي علشان بتحبي الورد فأكيد الرواية دي كانت ممتعة بالنسبه لكي
أشكرك يا ريم على كلماتك الرقيقة 🌼🌸🌺

فعلا فكرتها عجيبة رغم إن فكرة البحث عن الجمال المطلق قديمة و فيه عليها روايات و أفلام كتير لكن انه يجعل العطر محور البحث و أصل الجمال ده كان غير تقليدي بالمرة.
كمان حياة غرينوي كانت في منتهى البؤس و الشقاء من البداية
طاب صباحك دائما دانيا

لأنه ماخنش الرواية
بعيدا عن وقت الفيلم المقيد به..
من جمال العمل ده إنه احتمل تأويلات كتيرة جدا
وأنا متفق مع الكاتب أمير حسين اللي قال إنه شايف باتريك كتب العمل ده لمجرد المتعة وبالتالي المفروض القارئ يستمتع به فقط بعيدا عن كل التأويلات
أنصحك تشوف الفيلم لو لسه ماشوفتوش

لأنه ماخنش الرواية
بعيدا عن وقت الفيلم المقيد به..
من جمال العمل ده إنه احتمل تأويلات كتيرة جدا
وأنا متفق مع الكاتب أمير حسين اللي قال إ..."
فعلا يا محمد الفيلم حلو بس حسيت اني لو مقرأتش الرواية مكنش هيبقى ممتع كده و كان هيبقى شوية مش مفهوم و بالذات لحظة تنفيذ الحكم فيه و الدربكه اللي حصلت
القصة رائعة و ذوقك راقي كالعاده
هي كده كده ممتعه بدون تأويل لكن القاريء بيرضي غروره بالتأويل

هو لو في فيلم أو مسلسل مقتبس من رواية
الأحرى إني أبدأ بقراءة الرواية أو مشاهدة الفيلم ؟!

هو لو في فيلم أو مسلسل مقتبس من رواية
الأحرى إني أبدأ بقراءة الرواية أو مشاهدة الفيلم ؟!"
الرواية دايما بتكون تفاصيلها اكتر و بتفهم منها نفسيات الأبطال أكتر لكن الفيلم بيوصل لك فكرة الرواية بصورة أسرع
أنا شخصيا أفضل قراءة الرواية ثم مشاهدة العمل الفني المأخوذ عنها